الرئيسية / كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز / Études Arabes - الدراسات العربية / بالأدلة..دراسة مفصلة حول اللسان الذي نزل به القرآن الكريم

بالأدلة..دراسة مفصلة حول اللسان الذي نزل به القرآن الكريم

تتضارب الآراء والفرضيات حول مدى “أصالة” اللسان الذي نزل به القرآن، فالبعض يجزم أن لغة القرآن لا مكان فيها لألفاظ غير “عربية”، وأن اللسان العربي أعار كلماته للغات أخرى ولم يحدث يوما أن اقترض من إحداها، بينما يذهب البعض الآخر إلى أن “لغة القرآن” أنزل بها الكتاب بعد قرون من التغيرات والتنقيحات المتعددة على غرار كل لغات العالم، بحيث لم تكتسب العربية صبغة “القداسة” إلا عن طريق القرآن.

والحال أن علوم اللغة أو اللسانيات، لا سيما علم المعنى، لا تستثني ألفاظ جميع اللغات من نظرية تطور المعنى؛ إذ إن الدلالة التقليدية للألفاظ تتحول بشكل تدريجي بحيث يتم استخدامها في سياقات جديدة تختلف جذريا عن الاستخدام الأصلي حتى تصبح العلاقة بين اللفظ ومعناه اصطلاحية توافقية. فعلى ضوء ذلك، ألا تنطبق نظرية التطور الدلالي على اللغة العربية، وبخاصة لغة القرآن؟ وهل العربية أو “عربية القرآن” خالية تماما من أية ألفاظ أجنبية؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال هذا المقال.

القرآن عربي .. يتضمن باقة من الألفاظ المقترضة؟

فلنقرأ ونتدبر مجموعة من الآيات القرآنية التي لم تتحدث عن نزول القرآن “إلا” بلسان “عربي”:

ــ “وكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا” (الشورى: 07)

ــ “قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ” (الزمر: 28)

ــ “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” (يوسف: 02)

ــ “إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” (الزخرف:03)

ــ “كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (فصلت:03)

ــ “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ” (الشعراء: 195)

لا تحتاج الآيات أعلاه إلى الكثير من التمحيص لكي يتيقن المرء أن لغة نزول القرآن ليست سوى العربية (لسان عربي مبين وغير ذي عوج)، التي كانت قد وصلت إبان نزول القرآن إلى أوجها من حيث البيان والبلاغة والثراء المعجمي واللفظي المستمد من قرون من التلاقح والصقل.

ولعلمنا أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد كان لزاما أن نستفيض في الشرح والتحليل لاستبيان فرضية تنزيل القرآن بلغة عربية واشتماله في الآن ذاته على ألفاظ أجنبية. فلا بد إذاً أن نستند في هذا المضمار إلى لغات سامية من نفس أسرة اللغة العربية، وهي العبرية والآرامية.

ولذلك ينبغي أن نعمد أولا إلى تأصيل لفظ “عرب” انطلاقا من جذره الثلاثي “ع ـ ر ـ ب”. ففي اللغات السامية المذكورة، التي تعد العربية إحداها، نجد أن الجذر المذكور يتخذ بُنىً صرفية متعددة كما هو الشأن بالنسبة للغة الآرامية التي يفيد فيها الجذر الثلاثي ܥ ܪ ܒ (ع ر ب) مجموعة من المفاهيم التي يقابل بعضها البعض.

فمثلا، يأتي كل من اللفظين الآراميين ܥܪܰܒ “عْرَب” وܥܪܽܒ “عْرُب” بمعنى “خَلطَ” ولفظ ܐܬܥܪܒ “أَتْعاراب” بمعنى “انخلط” ولفظ ܥܪܘܒܝܐ “عروبيا” بمعنى “مزيج/خليط” ولفظ ܥܪܘܒܐ “عَرُوبا” بمعنى “جماعة”. كما أن الجذر الآرامي ܥ ܪ ܒ (ع ر ب) قد يحيل أيضا على مفهوم “الغربلة” من خلال لفظ ܐܬܥܪܒ “إيتعاريب”؛ وهو المفهوم ذاته الذي تفيده اللغة العبرية انطلاقا من اللفظ ערבול “عِرْبُول” الذي يعتبر قريبا لفظيا لكلمة “غربل”.

وللإشارة، فإن كلمة “مزيج” تترجم بالعبرية إلى ערבוב “عِرْبوڤ” (ع ر ب ب) وתערבת “تاعاروڤِت” (ت ع ر ب ت). وبالتالي، فإن لغة القرآن أو اللسان العربي بصفة عامة، وبصرف النظر عن بيانه وبلاغته، هو مزيج من اللغات جرى تنقيحها و”غربلتها” حتى حطت رحالها في المستودع اللغوي العربي، وهذه من الحجج التي تنفي أية نزعة إقصائية للغة العربية تجاه باقي اللغات، لاسيما تلك التي أنزلت بها الكتب السماوية السابقة كاللغات “العبرية” والآرامية والإغريقية … وإلا لم تكن لتنزل الآيتان: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ” (الروم: 22)، “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ” (إبراهيم: 04).

ولذلك، فإن العامل الإثني قد سبق العامل اللغوي كواقع عاشه سكان شبه الجزيرة العربية منذ يعرب بن قحطان بن هود بن سام الذي يقال إنه أبو العرب، والذي لا دليل قاطعا على كونه وراء تشكل عرق ولغة نسله وتسمية اللغة العربية كذلك انطلاقا من لقبه، ناهيك عن اختلاف الحجازيين واليمنيين أنفسهم حول أول متكلم بالعربية، حيث ينسب كل منهما لنفسه ذلك السبق.

غير أن ما يبقى أكيدا هو أن جزيرة العرب ــ أو استنادا لما قيل في هذه الفقرة ــ جزيرة “التنوع العرقي” ــ وبالتالي اللغوي ــ سواء كان أهلها من البائدة كعرب عاد وثمود وطسم وجديس وعملاق، أو عاربة بقحطانييها، أو مستعربة بعدنانييها وجراهمتها وقرشييها، فإنها استقبلت، مع توالي الأزمنة، مزيجا من الأعراق والإثنيات اغتنت “اللغة العربية” في كنفها حتى ظهرت العربية المضرية التي يقال إن بها نزل القرآن.

عربية القرآن .. بين مطرقة التشكيك وسندان التأييد:

إن بيان و”عروبة” القرآن وكون هذا الأخير قد اقتات من مئات الألفاظ الدخيلة أو المقترضة غير “العربية” يحتاج إلى الكثير من الحجج والبراهين والفرضيات الرصينة التي ينبغي الاعتماد في صياغتها على دلائل علمية لغوية دامغة عوض الاقتصار على الاستنتاجات النابعة من القناعات الإيمانية والروحية.

ومن بين الأعمال التي يحال عليها في هذا المضمار دراسة أجراها الكثيرون، غربيون وعرب، من بينهم جلال الدين السيوطي، حول عدد من الألفاظ القرآنية التي يشير الفقيه المفسر المذكور في كتابه إلى أنها مستعارة من اللغات الأثيوبية، والفارسية، واليونانية، والهندية، والآرامية، والعبرية، والنبطية، والقبطية، والتركية، والزنجية، والأمازيغية. كما يقوم البعض بالاعتداد بما تيسر من فرضياتِ ما يعرف بـ “دائرة المعارف الإسلامية” التي حددت هذه الألفاظ في مائتي لفظ أو ينيف. وبالتالي فلا بد من الإقرار بأن القرآن فيه من الألفاظ الأجنبية المُعَرَّبة الكَمّ الجزيل.

ويمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك وتعزيز هذا الطرح بالتذكير بأن العربية التي نزل بها القرآن تتضمن، كما هو معلوم، ليس فقط ألفاظا أجنبية جاهزة أو أخرى استقرت في قوالب صرفية “عربية”، بل أيضا ألفاظا تكاد تكون عربية “خالصة” في ظاهرها، مع أنها لا تعدو أن تكون ألفاظا أعجمية ذات دلالات تَعَرَّض معظمها، مع توالي الأزمنة والأحقاب، لما يعرف في علم المعنى بنظريات التوسيع، التضييق، التنميق، التكثيف …، ناهيك عن تجليات العامل الصرفي التي تعقب مغادرة هذه الألفاظ البيت الأسري للألسن السامية القديمة كالكنعانية أو الكلدانية والآرامية، ورُسُوِّها في مناويل مورفولوجية ومعنوية جديدة تكْتسِب هذه الكلمات على إثرها، وبحكم الضرورة، صفة الاصطلاح.

وبالنسبة للمهتمين بحقل اللسانيات الدياكرونية (أو التاريخية، أي تلك التي تعتمد على وصف وتفسير التغييرات التي تطرأ على اللغات عبر التاريخ)، والفقه اللغوي المقارن، فلا ينبغي الحسم النهائي في أصل اللفظ قبل تحديد منحاه التطوري ــ الصرفي والدلالي ــ وذلك اعتمادا على مُتون وضوابط محددة.

فلا بأس، على سبيل الاستقراء، من إخضاع جملة من الألفاظ القرآنية التي اتفق بعض الفقهاء المفسرين من طينة السيوطي على عجميتها لشيء من التدقيق. ولكن قبل الشروع في ذلك لا بد من وضع تصنيف لهذه الألفاظ المقترضة التي يمكن تحديدها كالآتي:

ـــ ألفاظ أعجمية مقترضة حافظت على بنائها الصرفي والدلالي بشكل نسبي

الثيوفورات: أسماء الأنبياء والملائكة وغيرهم

أسماء الأماكن ـ التضاريس …

أدوات ـ أطعمة …

ـــ ألفاظ عربية أصلها أعجمي خضعت للتطور الدلالي والصرفي قبل الانصهار في بوتقة “عربية”.

الألفاظ الأعجمية المقترضة:

يكاد لا يختلف اثنان على أن ألفاظا قرآنية أوردها جلال الدين السيوطي في دراسة “للمتوكلي” من قبيل فردوس (حديقة)، سندس، إستبرق (الديباج الغليظ)، جهنم (نار)، أباريق (أواني)، سجل (كتاب) … هي كلمات ــ ولو أن أصل وتفسير بعضها ينبغي التحفظ حوله ــ تستمد أصلها من لغات شتى.

فمثلا، يورد الفقيه المذكور أن كلمات “إستبرق”، “أباريق”، “سجل” هي كلمات فارسية، غير أنه اقتصر على تقديم هذه الباقة من الكلمات دون وصف أو تعليل تطوراتها الدلالية والصرفية، مما يكرس الصبغة الافتراضية لأية محاولة تأثيلية من هذا النوع.

فعلى سبيل المثال، لا تدل كلمة “سجل” في لغة الانطلاق (الفارسية)، بشكل مضبوط، على المدلول “كتاب” كما أُشيرَ إليه في تلك الدراسة. ويمكن في هذا الصدد إضافة معلومة بسيطة للفظ “جهنم”، الذي تناوله العديد من الباحثين والمهتمين بالدرس والتحليل، على أنه ليس فقط لفظا عبريا يحيل على عنصر النار، كما أشيع، وإنما قد يكون عبريا ـــ آراميا مركبا من كلمة גיא guy “غاي” التي تعني “وادي”.

كما تفيد الكلمة الآرامية ܓܐܝܐ guaya “غايا” مجموعة من المفاهيم من بينها “العُلُوّ” (وَالعُلُوّ من خصائص الوديان). أما الجزء الثاني من كلمة “جهنم” فمكون من كلمة ܗܳܡܳܢ “هومون” الآرامية (جهنم) (“فشاربون شرب الهيم) التي يحتمل أنه جرى إدغامها.

وتلاحظ العملية نفسها بالنسبة للفظ “جحيم”، فهو لا شك مكون من גיא guy “غاي” أو ܓܐܝܐ guaya “غايا” (وادي) واللفظين العبري חם “حم” (حار، ساخن …) أو الآرامي ܚܡ “حم” (حار، ساخن …)، وبالتالي فكلمة “جحيم” بدورها تعني “الوادي الساخن”.

أما عن وفرة الثيوفورات أو أسماء الأنبياء والملائكة وغيرهم من الشخصيات الواردة في القرآن في صيغ “مُعَرّبَة” فحدث ولا حرج؛ إذ إنها إما أن تنتهي بلفظ “إيل” El أو “يا” Ya من اللفظ الآرامي “ييا” الذي يفيد المجد والجمال (أصل أسماء الإشارة والضمائر المنفصلة: أي، يا، آ، إياي، إياك، إياهم …) (أحوجيل، 2017). ويمكن تسليط الضوء على بعض من هذه الأسماء كالتالي:

ـــ جبريل (أو جبرائيل): هو اسم مكون من وحدتين صرفيتين ܓܒܪܐ gabra الآرامية وتعني “رَجُل”، التي أعطت في اللغة العبرية إحدى مرادفات كلمة “رجُل” (أو سيد) وهي גבר guever “ڭيڤير” ومؤنثه גברת “ڭيڤيريت” gueveret (سيدة)، ولفظ גבור gibbor ” ڭيبور”(بطل)، بالإضافة إلى فعل גבר gavar “ڭاڤار” (تَقَوّى، هزم…)، ومنه الزوجان المعجميان “جبار” و”كبير”(أحوجيل: 2017) .

أما الشق أو الوحدة الصرفية الثانية من كلمة “جبرائيل” وهي “إيل” El فتحيل، كما هو معلوم، على الرب، وهو لفظ يستمد أصله من الآرامية “إيلانا” (شجرة). وبالتالي فلفظ “جبرائيل” قد يترجم إلى “قوة الله” (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)، ولو أن العبارة الثابتة في النص القرآني هي “روح الله الأمين” (الروح الأمين)،

ونرى كيف أن القرآن يتضمن عدة مواضع تتلازم فيها بعض الألفاظ من قبيل “قوي أمين”، وذلك من خلال الآيات: “قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ” (القصص: 26) والآية: “قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين” والآية: “نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين” (الشعراء: 193 و194) (انظر كتاب “التأصيل المعجمي للكلمات العربية والآرامية والعبرية: من التطور الدلالي إلى القرابة اللفظية”، أحوجيل، 2017).

ـــ النبي يوسف: من اللفظين الآرامي ܐܰܘܣܶܦ awsef “أوسيف” والعبري יוסף yossef (من فعل אסף asaf “آساف” أي “زاد”)، يفيدان “الزيادة”، وذلك عند ولادة النبي يوسف لأمه “راحيل” ليزيد على إخوته الآخرين (حسب النص التوراتي). ويمكن، بشيء من التدقيق، الاستنتاج أن فعلي אסף asaf “آساف” (زاد) والفعل العربي “أضاف” هما مشتركان أو قريبان لفظيان، علما أن الصوتين “د” و”س” في علم الصواتة هما صوتان كلاهما لثوي، وبالتالي فهما قابلان للاستبدال على مستوى بعض اللغات السامية.

ـــ النبي زكريا: اسم ثيوفوري مركب من الفعل الآرامي ܐܕܟܪ adkar “أدكار” أو العبري זכר zexar “زيخار”، يفيدان التذكر، أما القسم الثاني من الاسم، فكما سبقت الإشارة إليه من اللفظ “يا” Ya الآرامي أو “ييا” (مجد، جمال …) ويعني هنا “المجيد” وهو من أسماء الله. ولا عجب أن أولى آيات سورة مريم تبتدئ بعبارة “ذكر رحمة ربك عبده زكريا”. وبالتالي، فإن لفظ “زكريا” هو في الأصل זכריה “زيخار ـ يا” أي “تذكر الله”.

ـــ النبي موسى: الأدلة الواردة في هذه الفقرة تتنافى مع المعتقد اليهودي بأن اسم موسى عبري اشتق من فعل משה mashah “مشاه” أي “التقط من الماء”، استنادا إلى رواية سفر التكوين، “وأسمته موسى وقالت: لأنني انتشلته من الماء”؛ وذلك لأن آل فرعون الناطقين بالمصرية القديمة هم الذين التقطوه من الماء.

ولقد تمت الإشارة في كتاب “التأصيل المعجمي للكلمات العربية والآرامية والعبرية: من التطور الدلالي إلى القرابة اللفظية” (أحوجيل، 2017) أن الآية “ألم نربك فينا وليدا” تذكي ذلك الطرح القائل بأن لفظ “موسى” تم تجريده من الشق الأول لأحد الأسماء الثيوفورية المصرية وهي “دجيهوتي ـ موسي”Djehuty-Mosé أي وليد “دجيهوتي”، وبالإغريقية thoutmosis “تحتمس”، على أن Mosé “موسي” في المصرية القديمة تعني “الوليد”، فتم بالتالي منع النبي موسى من حمل الاسم الكامل (Djehuty-Mosé)، والاقتصار على Mosé “موسي” وذلك بعد استعطاف زوجة فرعون قائلة: “قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا”.

إن الراجح في هذه القصة أن فرعون لم يجد بدا من ترك موسى حيا شريطة أن لا يحمل اسم أحد كبار الفراعنة المصريين (دجيهوتي) المنزل منزلة الآلهة، لكون صاحب مصر إما قد علم أن موسى يحمل صفات بني إسرائيل أو أن السمات التي استعرضها الكهنة والعرافون تنطبق عليه، خصوصا وأن رُسُوّ تابوت بداخله رضيع ذكر على عتبات القصر الفرعوني يعني ما يعنيه. وهذه التسمية هي أيضا سخرية واستهزاء إلهي بفرعون الذي أمر بقتل المواليد الذكران من بني إسرائيل فربى أَحَدَهم سهوا ـ أو قل بلاهة ـ وسماه هو بنفسه مكتفيا بــMosé “موسي” (وليد) عوضا عن Djehuty-Mosé (وليد “دجيهوتي”)، بعد أن كان مرسومه ينص على ذبح كل وليد، ملقيا بذلك بنفسه إلى التهلكة: “ليكون لهم عدوا وحزنا”.

الألفاظ القرآنية العربية من أصل آرامي أو عبري (كنعاني أو كلداني):

نصل الآن إلى إحدى النقاط الأكثر أهمية في هذا التحليل المتعلقة بانبثاق ألفاظ من اللغتين الآرامية والعبرية وتطورها قبل الاستقرار في “قوالب” صرفية “عربية”، والتي لن نسرد منها إلا النذر اليسير ــ نظرا لكثرتها ـــ واعتمادا على استنتاجات شخصية وعلى بعض الأدوات الصوتية والصرفية المتاحة. وسنكتفي إذاً بالألفاظ التالية:

ــ “شمس”: اشتقت من الفعل الآرامي ܫܡܫ “شاميش” الذي يعني “خَدَم” ولفظ ܫܡܫܐ “شاموشو” ومعناه “خادم” ومنه “شمّاس الكنيسة” (أو خادمها) Diacre (رتبته أقل من الراهب). كما أن اللغة العبرية تتوفر على فعل השתמש “هيشتاميش”(استعمل أو استخدم).

ويلاحظ أن كلمة “شمس” وظفت في القرآن للدلالة على ذلك النجم الكبير المضيء لإثارة انتباه الناس أن الشمس مخلوق سخر لخدمة الخلق بتوفير الدفء والنور فقط وليس للعبادة “وسخر لكم الشمس والقمر دائبين” (إبراهيم:33) ــ “وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ” (النحل:12).

ولقد كانت الشمس تعتبر، ولقرون عديدة، كبيرة الآلهة، خصوصا في مصر القديمة (رعّ وأوزيريس) وعند الرومان (Sol Invictus) والإغريق (أبولو) والسبئيين وعند الكالدانيين (شاماش) و”ميثرا” عند الفرس وغيرهم: “لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ”.

ــ “سماء”: اشتق منها فعل “سما/يسمو” بشكل معكوس dérivation régressive وأصله آرامي/عبري. فالسماء بالآرامية “شمايا” لم تشتق إلا من كلمة ܬܡܢ tamman “تامّان” (هناك) وبالعبرية שם sham “شام” (هناك) وقد تحول “الثاء” (صوت أسناني) إلى السين (صوت لثوي) ليعطي كلمة “سماء”: “وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا” (السماء السابعة = الأبعد) وبالتالي فكلمة “سماء” سميت كذلك لأنها تفيد البُعْد: “تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العُلى”. (أحوجيل 2017)

ــ”عرش”: أصلها آرامي من لفظ “عرسا” وتعني “فراش/سرير” ومنها كلمة “عرس” التي اتخذت منحى دلاليا مغايرا عن طريق تأصيل شعبي بعد أن كانت لا تحيل إلا على ما هو زواجي nuptial: “أَعْرَسَ فلان” أو “فلان حديث العرس” (حديث العهد بالزواج) فأصبح لفظ “عرس” يوظف في غير سياقه: (عرس ثقافي، عرس رياضي، حفل زفاف).

كما أن هناك اشتراكا لفظيا ما بين اللفظ الآرامي ܟܽܘܪܣܝܳܐ “كورسيو” (كرسي/عرش) ولفظ ܟܰܪܣܳܐ “كارسو” (رَحِم، بطن …) ولفظ “كِرْش” panse/paunch، وللإشارة فإن “عرش” و”رحمن” في التراث الإسلامي من المتلازمات اللفظية (عرش الرحمن). (التأصيل المعجمي للكلمات العربية والآرامية والعبرية. أحوجيل 2017).

ــ “شجر”: كلمة تعود تسميتها إلى إحدى الوظائف التي تؤديها وهي “الاشتعال”، حيث إنها مشتقة من اللفظ الآرامي ܫܓܰܪ sgar “سجار” (أوقد) ومنه “البحر المسجور”، “سيجارة”… (سبب التسمية: التذكير بالنعمة: “الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون”) ــ (“يوقد من شجرة مباركة”). (أحوجيل، 2018).

ــ “صلاة”: إن الأصل الآرامي ܨܰܠ “صال” sal (صافي/طاهر) هو منطلق التسمية، ومنه الزوج المعجمي ܡܨܰܠܠܳܐ “مصالولو” msalolo (عصير، خلاصة…) وܨܠܘܬܐ “صَلُوتا” (صلاة) وܨܠܝܐ “صلويا”(انحناء)، أما الأصل الأول المذكور etymon ܨܠ “صال” sal (صافي/طاهر) فقد أضيف إليه حرف “العين” عن طريق “زيادة أول” prothèse فأعطى كلمة “عسل” (ع + صل = عسل).

فالسين صوت لثوي وكذلك الصاد، ولو أن هذا الأخير مفخم emphatic)، والعسل كما تُعَرِّفه بعض القواميس هو “الصافي مما تُخْرجُه النحلُ من بطونها” (“وأنهار من عسل مصفى”: محمد، 15). كما أن كلمة “غسل” (تطهر) تكونت بعد زيادة حرف “غ” أول كلمة ܨܠ “صال” sal (صافي/طاهر) الآرامية (غ + صل = غسل). ومعلوم أن شعيرة الصلاة مرتبطة بالطهارة قبل تأديتها (وضوء: طهارة البدن) وبعد إقامتها (طهارة من الذنوب وصفاء النفس …). (أحوجيل، 2018).

*باحث في اللسانيات والترجمة والفقه اللغوي المقارن وحضارة الشرق القديم
مؤلف كتاب: “التأصيل المعجمي للكلمات العربية والآرامية والعبرية: من التطور الدلالي إلى القرابة اللفظية” (2017)

شاهد أيضاً

التفسير والتفسير المقارن بين الاجتهاد التأويلي وشبهة الخطأ التأصيلي

لا طالما وَسَمَ الافتراض والترجيح محاولات من يخوضون غمار ما يعرف بــ “علوم التفسير” أو ...

%d مدونون معجبون بهذه: